يفتتح الكاتب مايكل يونج، محرر منصة “ديوان” في مركز كارنيجي للشرق الأوسط، تحليله بالإشارة إلى أن السياسات الإسرائيلية في لبنان والمنطقة تُبنى على منطق يرى في “الأمن” الإسرائيلي حالة دائمة من عدم الاستقرار لدى الآخرين، وليس العكس.

 

ويؤكد أن حكومة بنيامين نتنياهو تتعامل مع الفوضى كأداة حكم أكثر من كونها مشكلة يجب إنهاؤها، خاصة في ظل استمرار التوترات العسكرية مع لبنان وإيران.


ويعرض المقال مضمون المفاوضات الأخيرة بين لبنان وإسرائيل، والتي أسفرت عن بيان مشترك يتضمن اتفاقاً مبدئياً على وقف إطلاق النار، لكنه مشروط بوقف كامل لهجمات حزب الله وانسحاب عناصره من جنوب الليطاني، إلى جانب إنشاء “مناطق تجريبية” تتولى فيها الدولة اللبنانية السيطرة الأمنية.

 

ويشير الكاتب إلى أن هذه البنود تضع مستقبل الاتفاق في منطقة رمادية، إذ تمنح أطرافاً خارجية، مثل إسرائيل وإيران، قدرة غير مباشرة على تعطيله.


استراتيجية إسرائيل: إدارة الفوضى لا إنهاء الصراع


يرى يونج أن إسرائيل لا تتجه نحو تسويات مستقرة بقدر ما تدير حالة من الصراع المفتوح. ويستشهد بتحليل الباحث ناثان براون الذي يصف النهج الإسرائيلي بأنه “هيمنة بلا تسوية، وتدمير بلا إعادة إعمار، وحرب تتحول إلى حالة دائمة بدل أن تكون طريقاً لاتفاق”.


ويشير المقال إلى أن تعطيل دور الوسيط الأمريكي في الملف اللبناني، إلى جانب دفع واشنطن نحو التصعيد مع إيران، يعكس استعداد إسرائيل لإبقاء المنطقة في حالة اضطراب دائم بدلاً من البحث عن حلول سياسية طويلة الأمد. ويعتبر الكاتب أن هذا النهج يكرّس منطق القوة بدل منطق الدولة والقانون.


لبنان بين الاشتباك الإقليمي والانقسام الداخلي


يؤكد التحليل أن تطبيق خطة “المناطق التجريبية” في جنوب لبنان يواجه تحديات كبيرة، أبرزها تضارب مصالح إسرائيل وإيران، حيث تسعى الأولى إلى منع عودة قوة حزب الله بينما ترفض الثانية أي مسار لنزع سلاحه. هذا التناقض يجعل أي اتفاق هشّاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.


ويضيف أن السياسات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، بما في ذلك تدمير قرى وتهجير سكان، تحمل أبعاداً تتجاوز الأمن العسكري إلى إعادة تشكيل ديوجرافي يفاقم التوترات الطائفية داخل لبنان. ويرى أن هذا النمط من التصعيد يهدف إلى خلق واقع سكاني جديد يدفع السكان الشيعة شمالاً نحو مناطق أكثر ازدحاماً وحساسية طائفياً.


مستقبل النظام الإقليمي والتحولات الأمريكية


ينتقل الكاتب إلى البعد الإقليمي الأوسع، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لعبت دوراً في دعم هذا المسار عبر ما يُعرف بـ”اتفاقات أبراهام”، التي تهدف إلى بناء نظام إقليمي تقوده إسرائيل عسكرياً وتدعمه واشنطن سياسياً. لكنه يرى أن هذا النموذج يواجه تحديات متزايدة.


ويشير إلى بروز تكتل إقليمي يضم السعودية وتركيا ومصر وقطر وباكستان، يسعى إلى تحقيق توازن في مواجهة السياسات الإسرائيلية والإيرانية على حد سواء، مع ربط أي تطبيع مستقبلي مع إسرائيل بتقدم فعلي في مسار الدولة الفلسطينية. ويعتبر الكاتب أن هذا التحول قد يعيد تشكيل العلاقات داخل الشرق الأوسط ويقلل من قدرة أي طرف منفرد على فرض هيمنته.


ويختتم يونج تحليله بالإشارة إلى احتمال تغير الموقف الأمريكي مستقبلاً إذا تحولت إسرائيل إلى عبء استراتيجي على واشنطن، ما قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى تبني نهج أكثر حياداً أو انسحاباً تدريجياً، وهو ما قد يفرض على إسرائيل إعادة حساباتها في إدارة الصراع الإقليمي.

 

https://carnegieendowment.org/middle-east/diwan/2026/06/israels-security-means-the-middle-easts-insecurity